محاربان أزتيكيان يطلّان على تينوتشتيتلان، المدينة القائمة في بحيرة تيكسكوكو، رسم توضيحي

الأزتيك

إمبراطورية البحيرة

لم يُكشف أصل الأزتيك كشفًا تامًّا حتى اليوم. تروي الأسطورة أن قبيلة بدوية صغيرة قدمت نحو عام 1250 من الأرض المقدسة أزتلانالموطن الأسطوري للأزتيك، «أرض مالك الحزين»، في مكان ما من الشمال البعيد. ولم يُحدَّد موقعها الدقيق حتى اليوم. واستقرت في وادي المكسيك.

حجر الشمس الأزتيكي في المتحف الوطني للأنثروبولوجيا في مكسيكو سيتي
حجر الشمس، معروضًا في المتحف الوطني للأنثروبولوجيا في مكسيكو سيتي

كان لهم في لغتهم الأصلية، الناواتللغة الأزتيك. لا يزال يتحدث بها في المكسيك اليوم أكثر من مليون شخص، ومنها جاءت كلمات مثل الشوكولاتة والطماطم والأفوكادو والتشيلي.، ثلاثة أسماء: المكسيكا والتينوتشكا والأزتيك (نسبةً إلى أرض منشئهم أزتلان، أرض مالك الحزين في مكان ما من الشمال البعيد). وبسبب براعتهم القتالية كانت الشعوب المقيمة في وادي المكسيك تستأجرهم مرتزقة. ومع الزمن أصبحوا قوة تتعاظم باستمرار، حتى إنهم في القرن الرابع عشر غزوا أزكابوتزالكو (مدينة على ضفاف بحيرة تيكسكوكوبحيرة كبيرة ضحلة في وادي المكسيك، على جزرها نشأت تينوتشتيتلان. جفّفها الإسبان لاحقًا، وتمتد اليوم مدينة مكسيكو سيتي فوق قاعها. كانت تسيطر على تلك المنطقة حتى ذلك الحين).

تحكي قصتان عن بدايات القسوة الحربية لدى الأزتيك. فقد سمحت مدينتا أزكابوتزالكو وكولواكان للأزتيك بالاستقرار في منطقة تيزابان الصخرية، وكانت تعجّ بالأفاعي السامة، ظنًّا منهما أنهما ستتخلّصان منهم بهذه الطريقة. وبعد مدة، وقد أيقنتا تقريبًا أن الأفاعي قضت على الأزتيك، توجّهتا إلى تيزابان. وبدل المشهد المنتظر وجدتا الأزتيك أحياءً في تمام الصحة، بفضل غذاء غني بالبروتين حصلوا عليه من أكل الأفاعي.

أما القصة الثانية فتعود إلى زمن كانوا فيه جيشًا من المرتزقة. فقد ظنّوا أن فخًّا يُنصب لهم، فقطعوا بدهاء ووحشية أذنًا من كل أسير وقع في أيديهم. وحين أرادت جماعات أخرى من المحاربين، عند عدّ الأسرى، أن تنسب إلى نفسها أسرى الأزتيك، أخرج هؤلاء دليلًا على أن الأسرى أسراهم: كيسًا مملوءًا بالآذان.

الحياة اليومية

حبوب الكاكاو، وسيلة دفع عند الأزتيك
الكاكاو، مال الآلهة وطعامها. لم تكن قيمة حبوب الكاكاو في طعمها فحسب، بل في ندرتها أيضًا. وحين أراد الأزتيك التباهي كانوا يطحنون هذه الحبوب ويشربونها شوكولاتة. وكانت الجزية تُجبى من المدن الخاضعة بهذه الحبوب النادرة الثمينة. وبحسب المؤرخ المعاصر لكورتيس، غونثالو فرنانديث دي أوبييدو إي بالديس، كان يمكن بهذه الحبوب الثمينة شراء أرنب بـ4 حبات، وعبد بـ100 حبة، وبائعة هوى بـ10 حبات... شاهد هذه القصة في فيديو قصير

كما في عالمنا المعاصر، كان النهار يبدأ عند الفجر. ومن قمم معابد المدينة كان يتردّد على فترات منتظمة صوت الأصداف البحرية المكتوم، مع ضربات التيبونازتليطبل خشبي: جذع مجوَّف في أعلاه لسانان، يُصدر عند الضرب نغمتين مختلفتين، وكان يُستعمل في الطقوس وفي الحرب وللإعلان عن أوقات اليوم. (الطبل الخشبي) الحادة، معلنةً مرور أجزاء النهار والليل.

كانت الوجبات المعتادة في اليوم وجبة خفيفة، ثم وجبة وافرة عند الظهر، ثم وجبة خفيفة أخرى عند الغروب. وكان المصدر الرئيسي للطعام أسواق المدينة النابضة بالحياة والوافرة بالسلع. وكانت الذرة أهم الأغذية (ومن دقيقها كان يُصنع أكثر المنتجات انتشارًا، التورتيا)، كما وُجد الفلفل والفاصولياء والقرع والبطاطس والطماطم وأصناف شتى من الفاكهة. وكانوا يربّون الديوك الرومية والكلاب للأكل، ويأكلون الحشرات، كالديدان التي تتطفّل على الأغاف والجراد والنمل ويرقات أخرى.

كانت السوق مكانًا للتموين وإعادة توزيع الغذاء (ومن وسائل الدفع فيها حبوب الكاكاو). وكانت كذلك تحت أعين المراقبين اليقظة ومحكمة تعاقب فورًا وبصرامة على أصغر المخالفات. وكان معظم المخالفات يُعاقَب عليه بالموت، إذ كان احترام القانون بالغ الأهمية مهما بدا الفعل تافهًا من منظورنا. وكانت القوانين أشد صرامة على الأرستقراطية منها على عامة الناس (وهو ما لا يمكن قوله عن عصر ما بعد الحداثة). وكان يحدث أحيانًا أن يُعفى عن أحد، غير أن المخالف لم يكن له حق في خطأ ثانٍ، فالعقوبة كانت الموت في أغلب الأحيان.

السوق والحياة اليومية في مدينة أزتيكية، لوحة
الحياة اليومية في مدينة أزتيكية

ومن أشهر الأمثلة الحكم على تشالتشيونينيتزين، ابنة حاكم مدينة تيكسكوكو نيزاهوالبيلينيزاهوالبيلي (1464–1515)، حاكم تيكسكوكو، إحدى المدن الثلاث في الحلف الثلاثي. اشتهر شاعرًا وفلكيًّا وحكيمًا. (1472–1515). فقد كانت الملكة المقبلة تتّخذ العشّاق واحدًا بعد آخر ثم تقتلهم، حتى انكشف أمرها. وكانت العقوبة بالطبع الإعدام، رغم مكانتها الرفيعة.

وفي حالة السُّكر كان النبلاء يُعاقبون بالموت، أما عامة الناس فيُعاقبون بحلق رؤوسهم والتشهير بهم علنًا. ولم يكن الخونة والقتلة (ومنهم النساء اللواتي يُجهضن وكل من أعانهن) ومرتكبو زنا المحارم والمغتصبون ينجون من الإعدام. وكانت عقوبة الزنا خنق المرأة ورجم الرجل. ولم يكن لأحد أن يأخذ حقه بيده بعيدًا عن المحكمة الرسمية.

أما علاقات القرابة عند الأزتيك فيمكن تقسيمها إجمالًا إلى فئتين: الزواج الأحادي (عامة الناس، الذين يصبحون بتأسيس الأسرة مواطنين كاملي الحقوق) وتعدد الزوجات (وكان من نصيب كبار النبلاء والحكام، وكانت له في جوهره وظيفة سياسية هي عقد التحالفات). وعند عامة الناس كان الدور الأساسي في اختيار شريك الحياة لوالدَي العروسين. فإذا اختارت أسرة الفتى فتاةً، ذهبوا إلى كاهن يحدّد بحسب تاريخ ميلادهما مدى توافق الزوجين المقبلين والمصير الذي ينتظرهما.

النظام الديني والقرابين

ويتزيلوبوتشتلي، إله الحرب عند الأزتيك، رسم على طريقة المخطوطات
ويتزيلوبوتشتلي، إله الحرب

الثقافة الأزتيكية كلها مشبعة بالدين والمعتقدات. ففي مجمع آلهتهم آلهة كثيرة ورثوها عن شعوب ميزوأمريكا الأخرى. ولكي نفهم نظامهم الديني المعقّد، علينا أن نُجهد العقل بقدر ما نُجهد اللسان في نطق الأسماء. وهذا ما لن نفعله بالطبع، لكننا سنتوقف عند بعض أهم هذه الآلهة:

أوميتيكوتلي: تتحدث إحدى أساطير الخلق الأزتيكية عن هذا الإله بوصفه الخالق الأعلى للأرض وسائر الآلهة. وكان يُعرف بإله الثنائية، ذا طبيعة مزدوجة تجمع الذكر والأنثى. فكان الجانب الذكري يُسمّى أوميتيوتل، والجانب الأنثوي أوميسيواتل.

ويتزيلوبوتشتلي: كان لإلهة الأرض كواتليكويتمثال حجري للإلهة كواتليكوي بتنّورة من الأفاعيكواتليكوي إلهة الأرض، «ذات التنّورة من الأفاعي». يوجد التمثال الحجري، الذي يبلغ ارتفاعه 2.5 متر، اليوم في المتحف الوطني للأنثروبولوجيا في مكسيكو سيتي. ابنة واحدة هي كويولشاوكي (إلهة القمر) وأبناء لا يُحصون (الأربعمئة الجنوبيون). وحين حملت كواتليكوي بإله الحرب المقبل، جمعت ابنتها سائر الإخوة وأقنعتهم بمعاقبة الأم بالقتل، إذ عدّتها فاجرة. وفي أثناء الهجوم على الأم خرج من رحمها ويتزيلوبوتشتلي مطليًّا بالأزرق، ممسكًا بأفعى نارية قطّع بها كويولشاوكي وسائر الإخوة.

تحكي هذه الأسطورة عن تفوّق الشمس، التي يمثّلها ويتزيلوبوتشتلي، على أخته كويولشاوكي التي تمثّل القمر. وأمه كواتليكوي هي الأرض ذات التنّورة من الأفاعي، التي تخرج منها الشمس كل صباح. أما إخوة ويتزيلوبوتشتلي، الأربعمئة الجنوبيون، فهم نجوم السماء التي تتفرّق كل صباح حين تبدأ الشمس بالشروق. وعلى قمة الهرم الكبير في تينوتشتيتلان (الذي كان يعلوه مقامان على هيئة برجين، مكرَّسان لتلالوك وويتزيلوبوتشتلي) كانت تشتعل نار أبدية مكرّسة لويتزيلوبوتشتلي. ولم يكن يجوز أن تنطفئ، وإلا فقد تزول قوة الأزتيك وسيادتهم على الشعوب الأخرى.

كيتزالكواتل، الأفعى ذات الريش، رسم من مخطوطة أزتيكية
كيتزالكواتل، إله الريح والحكمة ومعلّم فنون السلم

تيزكاتليبوكا: إله القدر والحرب، ومثير الشقاق والرذائل. قورن بلوسيفر في المسيحية، وفي بعض الروايات يُعدّ خالق الأرض أيضًا. ويرجع عبادته إلى زمن التولتيكشعب حكم وسط المكسيك من القرن العاشر حتى الثاني عشر، وكانت عاصمته تولا. وقد عدّهم الأزتيك قدوةً وأسلافًا لهم.، الذين رووا قصة مرآة من حجر الأوبسيديان الداكن يمكن بها التنبؤ بالمستقبل وبأدفن أحلام البشر. وفي زمن المجاعة خبّأ تيزكاتليبوكا، الذي يُدعى أيضًا «إله المرآة الدخانية»، المرآةَ ليطيل عذاب البشر. وكان حامي الأفعال الليلية الخفية، كالزنا والسرقة.

تلالوك: إله المطر. يأتي اسمه من كلمة تلالي، وتعني في لغة الناواتل الأرض، ومن اللاحقة أوك التي تدل على شيء يقع فوق. والترجمة الحرفية: الذي فوق الأرض. وكان يُكرَّم بتقديم الدم البشري قربانًا (من الأطفال والشبان في الغالب) في عيد أتلكاوالو. وكانت عبادته وثيقة الصلة بخصوبة الأرض.

كيتزالكواتل: إله الريح والحكمة ومعلّم فنون السلم. لاسمه في لغة الناواتل معنيان: «الأفعى ذات الريش» و«التوأم الثمين». وكان حامي الأسرة الحاكمة، ولذلك كثيرًا ما تزيّن أفرادها بريش طائر الكيتزالالكيتزال طائر ذو ريش أخضر لامع وذيل يبلغ طوله مترًا. وكان ريشه أثمن من الذهب، ولم يكن يحق لبسه إلا للحكام والنبلاء.. وكان يُعدّ مخترع التقويم الطقسي ومعلّم الزراعة وحامي الحرفيين. وهو من الآلهة الأزتيكية القليلة التي لم تطلب قرابين بشرية.

تحكي أساطير كثيرة عن صراعه مع الإله المظلم تيزكاتليبوكا. ويروي أحدها أن كيتزالكواتل جمع كل أفاعي المنطقة الساحلية (خليج المكسيك) وصنع منها طوفًا عاد عليه إلى موطنه الأصلي تلابالان. ولما كان من المعتقد أن كيتزالكواتل سيعود من الطريق نفسه الذي رحل منه، وقعت مصادفة قاتلة للإمبراطورية الأزتيكية. فبدل إله الحكمة، نزل كورتيس وغزاته على ساحل خليج المكسيك. وقد جاء في السنة (1-قصبة) التي كان مقدّرًا بحسب النبوءة أن يعود فيها كيتزالكواتل، فاختلط الغزاة بالآلهة.

طقس القربان

طقس القربان عند الأزتيك، نقش قديم
طقس القربان

لم يكن الأزتيك أول من أدخل طقس القربان، بل أخذوه عن شعوب ميزوأمريكية أخرى وبلغوا به أعلى درجاته. فقد كان تقديم القرابين البشرية واجبًا دينيًّا وضرورة لحفظ العالم وصون خصوبة الأرض وقوة الحاكم. إذ كان لا بد من إرضاء الآلهة التي تستطيع في أي لحظة أن تضع حدًّا للعالم وتدمّره.

كان لدى الأزتيك شكلان أكثر شيوعًا للقربان: انتزاع القلب من صدر الضحية، والموت حرقًا. فكان الكهنة يضعون الضحية على حجر النسر (الكواوشيكاليوعاء حجري، غالبًا على هيئة نسر أو جاغوار، كانت توضع فيه قلوب القرابين، وكانوا يسمّونه «وعاء النسر».) المدبَّب، كي يتقوّس ظهر الضحية ويتخذ الصدر وضعًا يسهّل انتزاع القلب. وكان القلب المنتزَع يُوجَّه دائمًا نحو الشمس، ثم يُلقى أمام تمثال الإله المقدَّم إليه القربان. وكانت الجثث تُرمى في كومة دامية عند أسفل الدرج، ثم تُجمع لاحقًا وتُعدّ لولائم آكلي لحوم البشر.

وكان القربان بالحرق مخصّصًا لإله النار شيوتيكوتلي. وإلى جانب هاتين الطريقتين الرئيسيتين كانت هناك قرابين تُقدَّم تكريمًا لإله البذار والنبات شيبي توتيك. فكانت الضحايا تُقتل بالسهام كي يسيل دمها في الأرض كالماء الذي يهب الأرض الحياة (وكان الأزتيك يسمّون الدم البشري تشالتشيواتل، أي الماء الثمين). ثم كانت الجثة تُسلخ، ويرتدي الكاهن جلد الضحية المسلوخة.

في عام 1487 دشّن الإمبراطور أهويتزوتل المعبد الكبير في تينوتشتيتلان (تمبلو مايورالمعبد الكبير في قلب تينوتشتيتلان، هرم مزدوج مكرّس لويتزيلوبوتشتلي وتلالوك. اكتُشفت بقاياه مصادفةً عام 1978 في قلب مكسيكو سيتي.، المكرّس لويتزيلوبوتشتلي وتلالوك) بقربان طقسي هائل. ووصف المؤرخ فرناندو دي ألفا إشتليلشوتشيتل هذا الحدث بأنه «مذبحة لا مثيل لها في تاريخ البشرية». ودام الاحتفال الكبير أربعة أيام. وبحسب بعض المصادر قُدِّم خلاله 80 ألف إنسان قربانًا. وقدّم أهويتزوتل بنفسه القربان الأول، إذ غرز سكينًا من الأوبسيديانسكين طقسية أزتيكية بمقبض مزيَّن بفسيفساء من الفيروزالسكين الطقسية نصلها من الأوبسيديان، وهو زجاج بركاني أمضى من الفولاذ، ومقبضها مزيّن بفسيفساء من الفيروز والأصداف. في صدر الضحية وانتزع قلبها وقدّمه إلى مذبح ويتزيلوبوتشتلي الجديد.

الحرب والحياة العسكرية

محارب أزتيكي يحمل الماكواويتل في قتال مع غازٍ إسباني، رسم توضيحي
أسلحة الأزتيك: الماكواويتل، والرمح، والقوس، والجعبة، والهراوات، والأتلاتل، والفأس، والتروس...

كانت الحرب عند شعوب ميزوأمريكا حالة طبيعية وأسلوب حياة. وارتبطت بها السيطرة على الموارد، والهيمنة على الشعوب الأخرى، واليد العاملة من العبيد، فضلًا عن العبيد المخصّصين لطقوس القربان.

ومن أشهر أشكال الحرب شوتشياويوتل («حروب الزهور»). وكانت معارك يُتفق عليها مسبقًا بموافقة الطرفين المتحاربين، يستطيع فيها المحاربون أسر الأحياء لتقديمهم قرابين ويصقلون مهارتهم القتالية. أي إنه كان يتواجه هنا جيشان يتقاتلان من غير أن يقتحم أحدهما مدينة الآخر. ويرتبط اسم «حروب الزهور» على الأرجح بالطقس الذي يلي المعركة، إذ كان الناس يحتفون بمحاربيهم حاملين إياهم في موكب على هيئة إكليل من الزهور. وكانت حروب الزهور تُخاض جنبًا إلى جنب مع الحروب المعتادة.

ولكي يرتقي المحارب في التسلسل العسكري، كان عليه أن يتميّز بالشجاعة في المعركة وأن يأتي بأكبر عدد ممكن من الأسرى الأحياء. وكانت وحدات النخبة عند الأزتيك هي النسور والجاغواراتأشهر طائفتين من طوائف المحاربين، ولم يُقبل فيهما إلا من أسر أربعة أعداء على الأقل. كان النسور يلبسون خوذات على شكل رأس نسر، والجاغوارات ثيابًا من جلد الجاغوار.. ولم يكن لهم جيش دائم، بل كان الجيش يُجمع عند الحاجة. وكان على كل مدينة أو حيّ أن يقدّم نحو 400 جندي بقيادة زعيمهم المحلي، يُضمّون إلى وحدات أكبر من نحو 8000 محارب. وللحملات الكبرى كانت تُجمع حتى 25 فرقة من هذا النوع، أي نحو 200 ألف محارب في المجموع.

أما أسلحتهم فكانت الرماح القصيرة، والهراواتالماكواويتل، السيف الأزتيكي الخشبي بشفرات من الأوبسيديانالماكواويتل سيف (أو هراوة) خشبي تُثبَّت فيه شفرات من الأوبسيديان. وكان سلاحًا أصيلًا في ميزوأمريكا، يمكن به، بحسب المدوّنات الإسبانية، إسقاط حصان بضربة واحدة. المثبَّتة فيها شفرات من زجاج الأوبسيديان البركاني، والأتلاتلقاذف الرماح: مقبض خشبي في طرفه خطّاف، يطيل الذراع ويمنح الرمح سرعة ومدى أكبر بكثير. وقد استعمله السكان الأصليون في أستراليا أيضًا. (سلاح قديم لقذف السهام)، وترس من الجلد.

وبسقوط أزكابوتزالكو والقتل الطقسي لملكها ماكستلا عام 1428 انتهت إمبراطورية التيبانيك وقامت سلطة الحلف الثلاثي، الذي ضمّ تينوتشتيتلان وتيكسكوكو وتلاكوبان. وكان هذا الحلف القوة الدافعة الرئيسية للتوسع الأزتيكي، مسيطرًا على إمبراطورية كبيرة ناشئة.

تينوتشتيتلان: الصعود والسقوط

تأسيس تينوتشتيتلان: النسر على الصبّار، صفحة من مخطوطة مندوزا
تأسيس تينوتشتيتلان: النسر على الصبّار في وسط المدينة

تحكي لنا إحدى الأساطير عن نشأة تينوتشتيتلان، المدينة التي تمتد فوقها اليوم العاصمة الكبرى مكسيكو سيتي:

انطلق حالًا وابحث عن الصبّار (تينوتشتلي) الذي يجثم عليه نسر مسرور. هناك سنستقر، وهناك سنحكم، وهناك سننتصر برماحنا وتروسنا. هناك ستكون مدينتنا، مكسيكو-تينوتشتيتلان، حيث يصيح النسر ويبسط جناحيه ويأكل، وحيث تسبح الأسماك. هناك حيث تُلتهَم الأفعى.

ويتزيلوبوتشتلي، إله الحرب والشمس، مخاطبًا الكاهن الأكبر كواوكواتل

وهكذا تأسست عام 1325 في بحيرة تيكسكوكو واحدة من أجمل المدن التي صنعتها يد الإنسان. وكانت محاطة بالماء، ممتدة على كل الجزر الصغيرة والضحاضح الرملية. وكانت البيوت تُبنى على ركائز فوق الماء وعلى ضفاف البحيرة. ولقلّة الأراضي الزراعية بنوا حقول التشينامباحقول عائمة: أحواض مستطيلة من الطمي والقصب، تثبّتها أشجار الصفصاف في البحيرة الضحلة. وكانت من الخصوبة بحيث تعطي حتى سبعة محاصيل في السنة. الشهيرة (الحقول العائمة). وكانت مساحة التشينامبا الواحدة تتراوح بين 100 و850 مترًا مربعًا.

وفي الوسط، حيث كانت تُقام الاحتفالات الكبرى، قام الهرم الكبير المكرّس لويتزيلوبوتشتلي وتلالوك. وكان يمكن أن تلتقي في سوق المدينة الكبرى بنحو 50 ألف شخص. أما المدينة نفسها فكانت تضم ما يزيد قليلًا على 300 ألف نسمة. وكانوا يبنون بيوتًا صغيرة من طابق واحد وجسورًا متحركة ومدارس ومعابد، بل كانت لديهم حمّامات بخار، لأنهم أولوا النظافة أهمية، خلافًا للوافدين من أوروبا. كما بنوا قنوات لإمداد المدينة بمياه الشرب. ولم يخطر لهم أن الغزاة سيحاصرون مدينتهم يومًا ويقطعون عنها الماء، فيكون ذلك نهايتهم.

كانت الحكايات عن أهرامات أكبر من أهرامات مصر، وعن كميات هائلة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، تصل إلى كوبا وتلهب خيال الإسبان هناك. وكان من أشدهم اهتمامًا هيرنان كورتيسهيرنان كورتيس في درعه، صورة شخصيةهيرنان كورتيس 1485–1547. غازٍ إسباني أسقط الإمبراطورية الأزتيكية ببضع مئات من الجنود وآلاف الحلفاء من السكان الأصليين.، عمدة بلدة كوبية صغيرة. فقد نجح في الحصول على الإذن والوسائل لحملته على أرض ميزوأمريكا، وأبحر من كوبا في 10 فبراير 1519 مع 508 جنود و100 بحّار و16 حصانًا، ونزل قرب تاباسكو. ولكي يمنع فرار جنوده وتردّدهم أغرق السفن، فلم يعد بإمكان أحد الرجوع إلى كوبا.

وفي الطريق إلى تينوتشتيتلان نجح كورتيس في كسب الشعوب الميزوأمريكية الساخطة والخاضعة. وكان حليفه الرئيسي مدينة تلاكسكالادولة مستقلة شرق وادي المكسيك لم يتمكن الأزتيك قط من إخضاعها. وكان التلاكسكاليون ألدّ أعدائهم، وقد أمدّوا كورتيس بعشرات الآلاف من المحاربين.. وحين وصل إلى تينوتشتيتلان استقبل موكتيزوما الثانيموكتيزوما الثاني (نحو 1466–1520)، الحاكم التاسع لتينوتشتيتلان، على العرش منذ عام 1502. وفي عهده بلغت الإمبراطورية الأزتيكية أوسع امتداد لها. الإسبانَ في عاصمته، فتجوّلوا فيها بحرية شهورًا. وبعد مدة قبض الضيوف على موكتيزوما واحتجزوه رهينة. فاندلعت في المدينة ثورة، وحين ظهر موكتيزوما ليهدّئ قومه انهال عليه وابل من الحجارة، فمات بعد أيام متأثرًا بجراحه.

أخذ كورتيس وغزاته ما استطاعوا حمله من الذهب والفضة وفرّوا ليلًا من المدينة إلى حلفائهم في تلاكسكالا. وبعد ستة أشهر، وبمساعدة إمدادات من الساحل وجيش تلاكسكالي كبير، تمكنوا من تدمير تينوتشتيتلان. واستخدم كورتيس في الهجوم 13 سفينة صغيرة كان قد بناها في الأثناء. فقطع إمدادات مياه الشرب وأضعف بذلك المدافعين، ثم هاجمهم من الماء، مدمّرًا لا المدينة وحدها بل الإمبراطورية الأزتيكية كلها.

«على علم المكسيك يُرى نسر يجثم على صبّار ويلتهم أفعى.»

منظر بانورامي لتينوتشتيتلان على جزر بحيرة تيكسكوكو، لوحة
تينوتشتيتلان في بحيرة تيكسكوكو